لا بأس أن تبكي..

مؤخرًا، كنت أفكر كثيرًا بأمر المشاعر وجمودها، بكوننا غير قادرين على البكاء حين نرغب بذلك حقًا، وغير قادرين على الحزن حين يستدعي الموضوع ذلك، والأسوأ.. غير قادرين على التعاطف حين نرى عزيزًا يصارع بؤسه! يهاجمنا شعورٌ بالذنبِ وكراهية الذات.. لكن أحيانًا لا يكون الأمر أنّك [غير قادر] بل ببساطة: ليس مسموحًا لك بذلك! لست مخوّلاً بإظهار مشاعرك بحريّة.. تلك الحياديّة، وذلك القناع الذي يجب أن يلبسه المرء لإخفاء ما يجولُ بنفسه؛ هو سلاحُ الأطباء عمومًا والعاملين في المجال النفسيّ خصوصًا.. لكن، هل نحن مضطرون دائمًا لاستخدامه؟ هل ينبغي علينا كبتُ جانبنا الوجدانيّ على طول الخطّ؟ كنت أود الحديث مطولاً عن هذا الأمر حين تذكرتُ أني منذ عدة أشهرٍ ترجمتُ مقالةً أجنبية بعنوان: it’s okay to cry وذلك لصالح المدوّنة الطبية Medicom، تذكرتها فجأةً.. وابتسمت بتفهّم، أظنّه وصف مراحل الاعتياد على (القناع) بشكلٍ جيد! إليكم المقال.. وآمل أن الترجمة واضحة وموفّقة.

“كطالب طبٍ شاب في أوائل العشرين من عمره، كنتُ لا أزال عديم الخبرة لأعرف كيف يُفترض أن أتصرف كطبيب حقيقي، لكنني أخذت عدة محاضراتٍ حول الأساليب المهنيّة، وأذكر أنه قيل لي في أحدها أن علينا المحافظة على مسافةٍ مهنية مع المريض وعدم الانخراط في المشاركة الوجدانية إلى حدٍ بالغ حتى لا نفقد موضوعيتنا، العاطفة الزائدة ستودي بنا إلى إرهاقٍ بالغ، وهو ما سلمت بصحته وأقررتُ به لاحقًا..

في السنة الثالثة من كلية الطب، رأيتُ مريضًا يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يموت، وصحيحٌ أنّي كنتُ أعلم ما يعنيه الموت وأتوقعه أيضًا.. إلا أن رؤية مريضٍ يموت كان أمرًا آخر أشدّ قسوة، شعرتُ بالكثير من الحزن والارتباك والصدمة والقلق، غير أنك لو رأيتني من الخارج فإني واثق بأنّك لن تعرف أبدًا ما أفكر به، كنتٌ هادئًا.. قلت لنفسي بأن هذا لم يزعجني، وأن بإمكاني التعامل مع أي شيء وخصوصًا الموت! فهو جزء من كوني طالبًا على أية حال، والطبيب الجيد يبقى محتفظًا برباطة جأشه تحت أي ظرف من الظروف.. لم أخبر أحدًا بما أشعر، تمالكت نفسي وبقيتُ هادئًا.. وواصلت المسير!

هكذا قضيتُ فترة الممارسة المبكرة في حياتي، ولكن في النهاية، اخترتُ التخصص في طب الطوارئ بعد انجذابي لعدة عوامل، أهمها هو أن طب الطوارئ هو مركز المواقف العصيبة، وهناك، نضطر لنسيان العاطفة ونتعلم العيش ببرودٍ تحت أشدّ الضغوط.. ثم تغير كل شيء! في أحد الأعوام ذهبتُ إلى جنوب السودان في مهمة طبية مع منظمة إنسانية (أطباء بلا حدود) وقضيتُ حوالي ٤ شهور في مخيم للمشردين، كانوا أكثر من ١٢٥ ألف شخص، ورغم أنا كنا نقوم بالكثير جدًا بالموارد المتاحة، إلا أن الظروف كانت أقسى منّا.. شهدنا موت كثيرٍ من الناس معظمهم من الأطفال..

كل يومٍ تقريبًا كنتُ أشاهد طفلاً يلفظ أنفاسه الأخيرة، محاولة الإنعاش غير مجدية، تحاول شرح ما حدث للأم المكلومة، تشاهد صراخها.. شاهدتُ هذه المواقف يومًا بعد يوم ولعدة أشهر! شعرت بـ.. حسنًا، لا شيء؟! وتساءلت.. ترى هل كبحتُ قدراتي على الشعور إلى حد سيء؟ ألم أعد أستطيع الحزن حتى في أحلك الظروف؟ ثم حدث شيء قبل أسبوع واحد من مغادرتي.. طُلب مني إلقاء خطاب أمام جميع الموظفين وبعض المتطوعين، وهكذا وقفتُ أمام ١٥٠ شخصٍ تقريبًا، جميعنا عشنا في هذا المخيم، في وسط اللا مكان، محاولين إبقاء الناس على قيد الحياة -في وضعٍ بائس كما يبدو، كنت أعلم بأنّي سأعود إلى منزلي المريح بينما لن يتمكن الكثيرون من ذلك، وعندما وقفت أمام الحشد ونظرتُ إلى الوجوه  المبتسمة المتشوّقة لسماعي أتحدث؛ شعرتُ بالصدع.. ولأول مرةٍ في حياتي لم أستطع تمالك نفسي، حين بدأت بالكلام، تدفقت عواطفي بغزارة! سيطرت عليّ المشاعر دون حسيبٍ أو رقيب! وكلما حاولت قول شيء ما، انهمرت دموعي وبكيتُ أمام زملائي! لم أستطع الاحتفاظ بكل ما يجيش في صدري أكثر، بكيتُ مرضاي، بكيتُ زملائي في العمل، بكيتُ حال الناس.. وعندما عدتُ إلى المنزل بكيتُ أكثر حتى! منذ تلك اللحظة، أصبحتُ أكثر قدرةً على فهم مشاعري الخاصة والتعبير عنها، لم أعد أحتفظ بالأشياء بالطريقة التي اعتدتها..

والآن، عندما يموت المريض.. حسنًا! أحيانًا أبكي! هل هذا جيد؟ هناك جانبانِ لهذا الأمر، أحدها هو أن البعض يعتبر البكاء أمام المريض هو أمرٌ يؤثر على احترافية الطبيب، إذ يجبُ ألا نُظهر أيّ علامة على مشاعر قوية بإمكانها التأثير على قراراتنا وتفكيرنا العقلانيّ، نعلم طبعًا أن المحترف باستطاعته ذلك ويتحمل أي شيء، ولكن، يقول آخرون بأن هذا ليس عرضًا للمشاعر وإنما هو درجة منها، بمعنى: لا بأس بالقليل، لكن إن كان الطبيب عاطفيًا فهناك مشكلة في ذلك، الأمر لا يتعلق به بأية حالٍ بل بالمريض وذويه، وقد يربك هذا حزن الأسرة حتى.. وعلى الجانب الآخر، الأطباء مجرد بشر! سواءً كنا نعرض مشاعرنا بعلانية أو لا، فإننا بالتأكيد نشعر بها، وبالتأكيد يشعر المرضى بالارتياح كذلك حين يعلمون أن أطباءهم يأسفون ويتعاطفون عند الخسارة! والآن كما رأيت، هناك خياران ولكلٍ منهما حجج مقنعة، طبيبٌ بارد وعقلاني، أو متعاطف دامع العينين..؟

بجدية، الأمر ليس دائمًا تحت سيطرتك على أي حال، فردود أفعالنا ومشاعرنا هي نمط معقد من المعتقدات والخبرات، ويصعب أن يحدد شخصٌ ما كيفية التصرف السليم أو يخبرنا كيف علينا أن نشعر! لكنني سأقول هذا: من مُنطلق تجربتي، أرى أن أسوأ شيء يمكننا القيام به هو قمع الحزن، إن إبقاء الأمور محبوسةً في داخلنا أو دفن مشاعرنا في أعماقنا يؤدي إلى تآكلنا، ويؤثر على صحتنا ورفاهيتنا بطريقة لا نفهمها تمامًا..

لا بأس أن تعترف بمشاعرك، ولا بأس أن تتفاعل مع هذه المشاعر بالبكاء، إنها طريقة حقيقة وصادقة لمعالجة هذه المشاعر، ويجب ألا تخجل من فعل ذلك.. وأن لا تبالغ في التحكم والتظاهر بالقوة! تحرر.. الحزن هو ردّ فعلٍ طبيعي للخسارة، فتنعّم بمساحتك.. لا بأس، ابكِ، إننا بشر”

لا بأس أن نبكي..

11 comments

  1. تدوينة رائعة شكرًا على المشاركة

    Liked by 1 person

  2. كنت أفكر قبل أيام بأنه لا ينبغي عليّ أن أشارك خوفي و قلقي بتفاصيله مع من أعرف و كلّما وددت لو أشارك أحدهم أقول بأني أستطيع حلّ الأمر بنفسي، يرجع ذلك لأسباب عديدة منها أنني سمعت أكثر من مرة من أكثر من شخص أن: “نسرين كيف بتخافي و إنت بتدرسي علم نفس؟” و كنت أحزن من مخاطبتي بهذا الشكل، هل أن تدرس في أي من التخصصات النفسية يعني أن تلغي إنسانيتك؟ و بشريتك؟ هل يعني أن تقاوم مشاعرك و تحتفظ بها لنفسك؟
    هل يعني ذلك أن لا تحزن أو تخاف أو حتى تغضب؟

    ربما نكون من أكثر الناس حظًا لأننا نتعلّم استراتيجيات التكيف و التعامل مع كل هذه الأمور، و ربما نكون أكثر وعيًا من غيرنا بها، لكن هذا لا يعني أننا لن نعيش هذه المشاعر …مشاعر كل إنسان!

    شكراً للتدوينة يا ياسمين :’)
    دمتِ بخير 🌸

    Liked by 1 person

  3. مَلامحُ غَيثٍ

    في القلب.. تمامًا في قلبي، لا أستطيع وصف شيء أو التعليق بشيء عن الفحوى، لكن أحب إخباركِ أنكِ أجدتِ الترجمة، يكفي أنني لم أشعر أنها تُرجِمَت، يكفي أنها لامست قلبي.

    Liked by 1 person

  4. حروفي لا تستطيع تصوير ما أشعر به الآن لكني سأكتفي بقول أن تدوينكِ لامست قلبي

    Liked by 1 person

  5. شكراً ياسمين
    لامستني الكلمات بشدة

    Liked by 1 person

  6. التنبيهات: أهمّ درس في فترة الحجر الصحي - مدونة م.طارق الموصللي

  7. كانت لدي رغبة مفاجأة بالبكاء والآن تأكد لي بعد قرائتي للتدوينة إنني بحاجة لها

    Liked by 1 person

  8. التنبيهات: روابط: فاتورة! – صفحات صغيرة

  9. لطالما سمعت في صغري عبارة “خلك رجال، لا تصيح! \ بنت انت تصيح؟!” و غيرها من العبارات المشابهه، لسنوات خجلت بشكل كبير من البكاء خصوصا وقت “صرت رجال” و كتمت هذه المشاعر، و في احيانا احسست باني ميت المشاعر و بصدق بدات ما احس بشعور البكاء.. او اي شعور!

    حقيقه، لا اذكر مرة بكيت امام اهلي في العشرين سنة الماضيه، مرة واحده امام صديقين عزيزين و شعرت بالمهانة و الذل يوم بكيت!!! و مرة اخرى امام صديق اخر و نفس الشعور تكرر. اذكر ان نفس هذا الشخص رأني ابكي بسبب فيلم و كانت ردة فعل استغراب تشوبها السخريه تعلوا وجهه!

    لم ابدأ اتصالح مع اني شخص حساس و لا بأس بان امتلك مشاعر تجعلني ارغب بالبكاء الا مع اقتراب دخولي الثلاثين.. شعور مريح، نعم افعله بالخفاء، لكن عالاقل متصل بشكل اكبر من نفسي الان.

    Liked by 2 people

  10. التنبيهات: لا بأس أن تبكي.. – Aquajes

  11. الياسمين..

    إستمري ياسمين

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: